ابن تيمية
100
مجموعة الفتاوى
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عُلُوَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ اللَّازِمَةِ لَهُ . فَلَا يَجُوزُ اتِّصَافُهُ بِضِدِّ الْعُلُوِّ أَلْبَتَّةَ . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ } وَلَمْ يَقُلْ " تَحْتَك " . وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَا يَجْعَلُونَهُ مُتَّصِفاً بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ . بَلْ إمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ الْعُلُوَّ وَالسُّفُولَ . وَهُمْ نَوْعَانِ . فالْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ . فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَالْأَمْكِنَةُ مِنْهَا عَالٍ وَسَافِلٌ . فَهُوَ فِي الْعَالِي عَالٍ وَفِي السَّافِلِ سَافِلٌ . بَلْ إذَا قَالُوا إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَجَعَلُوا الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا مَحَالّ لَهُ - ظُرُوفاً وَأَوْعِيَةً جَعَلُوهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْهُ . فَإِنَّ الْمَحَلَّ يَحْوِي الْحَالَّ وَالظَّرْفَ وَالْوِعَاءَ يَحْوِي الْمَظْرُوفَ الَّذِي فِيهِ وَالْحَاوِيَ فَوْقَ المحوى . وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا " إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ